محمد بن جرير الطبري

27

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الاسمين اللذين في حرمه دون سائر الصفا والمرو ؛ ولذلك أدخل فيهما الأَلف واللام ، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين دون سائر الصفا والمرو . وأما قوله : مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلما ومشعرا يعبدونه عندها ، إما بالدعاء وإما بالذكر وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها ؛ ومنه قول الكميت : نقتلهم جيلا فجيلا تراهم * شعائر قربان بهم يتقرب وكان مجاهد يقول في الشعائر بما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ قال : من الخبر الذي أخبركم عنه حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . فكأن مجاهدا كان يرى أن الشعائر إنما هو جمع شعيرة من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم في الطواف بهما ، فمعناه إعلامهم ذلك ؛ وذلك تأويل من المفهوم بعيد . وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم ، وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، إذ سأله أن يريه مناسك الحج . وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر ، فإنه مراد به الأَمر لأَن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام فقال له : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وجعل تعالى ذكره إبراهيم إماما لمن بعده . فإذا كان صحيحا أن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج ، فمعلوم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد عمل به وسنه لمن بعده ، وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أمته باتباعه فعليهم العمل بذلك على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ يعني تعالى ذكره : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فمن أتاه عائدا إليه بعد بدء ، وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج إليه ؛ ومنه قول الشاعر : وأشهد من عوف حلولا كثيرة * يحجون بيت الزبرقان المزعفرا يعني بقوله يحجون : يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته . وإنما قيل للحاج حاج لأَنه يأتي البيت قبل التعريف ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد التعريف ، ثم ينصرف عنه إلى منى ، ثم يعود إليه لطواف الصدر ، فلتكراره العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج . وأما المعتمر فإنما قيل له معتمر لأَنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه . وإنما يعني تعالى ذكره بقوله : أَوِ اعْتَمَرَ أو اعتمر البيت ، ويعني بالاعتمار الزيارة ، فكل قاصد لشيء فهو له معتمر ومنه قول العجاج : لقد سما ابن معمر حين اعتمر * مغزى بعيدا من بعيد وضبر يعني بقوله " حين اعتمر " : حين قصده وأمه . القول في تأويل قوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . يعني تعالى ذكره بقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما يقول : فلا حرج عليه ولا مأثم في طوافه بهما . فإن قال قائل : وما وجه هذا الكلام ، وقد قلت لنا إن قوله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وإن كان ظاهره ظاهر الخبر فإنه في معنى الأَمر بالطواف بهما ؟ فكيف يكون أمرا بالطواف ، ثم يقال : لا جناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما ؟ وإنما يوضع الجناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناح والحرج والأَمر بالطواف بهما ، والترخيص في الطواف بهما غير جائز اجتماعهما في حال واحدة ؟ قيل : إن ذلك بخلاف ما إليه ذهب ، وإنما معنى ذلك عند أقوام أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإِسلام ل صنمين كانا عليهما الصفا والمروة تعظيما منهم لهما فقالوا : وكيف نطوف بهما ، وقد علمنا أن تعظيم الأَصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون الله شرك ؟ ففي طوافنا بهذين الحجرين الصفا والمروة أحد ذلك ، لأَن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما ، وقد جاء الله بالإِسلام اليوم ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له . فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ يعني أن الطواف بهما ، فترك ذكر الطواف بهما اكتفاء بذكرهما عنه . وإذ كان معلوما عند المخاطبين به أن معناه : من معالم الله التي جعلها علما